ابن ميثم البحراني
272
شرح نهج البلاغة
الرابعة : قطع الرحم وهى رذيلة الإفراط من فضيلة صلة الرحم وحقيقتها عدم مشاركة ذوى اللحمة في الخيرات الدنيويّة وهى رذيلة تحت الظلم مستلزمة للبخل . الخامسة : رذيلة الجبن وهى طرف التفريط من فضيلة الشجاعة ونبّه عليها بقوله : فإذا كان عند الحرب فأيّ زاجر وآمر هو إلى قوله : سبّته ، وفيه تنبيه على دناءة همّته ومهانة نفسه إذ كان علىّ الهمّة شهم النفس لا يفرّ من قراع الأقران إلى التخلَّص من الموت بأقبح فعل يكون من كشف سوءته وبقاء ذلك سبّة في عقبه على مرور الدهور . والدناء والمهانة رذيلتان تحت الجبن . وقوله : فأيّ زاجر وآمر . هو استفهام على سبيل التعجّب والمبالغة في أمره ونهيه وذكره في معرض الذمّ هنا وإن كان من الممادح لغرض أن يردفه برذيلته ليكون ذلك خارجا مخرج الاستهزاء فيكون أبلغ وقعا في النفوس وأشدّ عارا عليه إذ كان الأمر والنهى في الحرب إنّما يحسن ممّن يشتهر بالشجاعة والإقدام لا ممّن يأمر وينهى فإذا اشتدّ القتال فرّ فرار الحمار من السبع واجتهد في البقاء ولو بأقبح مذمّة فإنّ عدم الأمر والنهى والخمول بمثل هذا أليق وأولى من وجودها وكأنّ أبا الطيّب حكى صورة حاله إذ قال . وإذا ما خلا الجبان بأرض * طلب الطعن وحده والنزالا وأمّا صورة هذه الرذيلة منه فروى أنّ عليّا عليه السّلام حمل عليه في بعض أيّام صفّين فلمّا تصوّر أنّه قاتله ألقى نفسه عن فرسه وكشف سوءته مواجها له عليه السّلام فلمّا رأى ذلك منه غضّ بصره عنه وانصرف عمرو مكشوف العورة ونجا بذلك فصار مثلا لمن يدفع عن نفسه مكروها بارتكاب المذلَّة والعار ، وفيه يقول أبو فراس . ولا خير في دفع الأذى بمذلَّة * كما ردّها يوما بسوءته عمرو وروى مثل ذلك لبسر بن أرطاة معه فإنّه عليه السّلام حمل على بسر فسقط بسر على قفاه ورفع رجليه فانكشفت عورته فصرف عليه السّلام وجهه عنه فلمّا قام سقطت البيضة عن رأسه فصاح أصحابه يا أمير المؤمنين إنّه بسر بن أرطاة فقال : ذروه - لعنه اللَّه - فلقد كان معاوية . أولى بذلك منه . فضحك معاوية وقال : لا عليك يا بسر ارفع طرفك ولا تستحي فلك بعمرو